الشيخ محمد رشيد رضا
158
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الحق على الباطل ، وقد تقدم في تفسير « وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ » وتفسير « وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ » من الآيتين السابقتين أمثلة تزيد المبحث وضوحا . وقد كان في مجموع المخاطبين بالآية عند نزولها من هم في المرتبة العليا وأولئك هم المجاهدون الصابرون الذين ثبتوا مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ثبات الجبال لاثبات الأبطال وهم نحو ثلاثين رجلا ، وقد ذكرنا أسماء بعضهم في تلخيص القصة . وإنما جعل الخطاب عاما ليكون تربية عامة ، فان أصحاب المراتب العلية يتهمون نفسهم بالتقصير فيزدادون كمالا . فهذه الآية تنبه كل مؤمن إلى اتقاء الغرور بحديث النفس والتمني والتشهي وتهديه إلى امتحان نفسه بالعمل الشاق ، وعدم الثقة بما دون الجهاد والصبر على المكاره في سبيل الحق ، حتى يأمن الدعوى الخادعة ، بله الدعوى الباطلة ، وإنما الخادعة أن تدعى ما تتوهم أنك صادق فيه ، مع الغفلة أو الجهل بعجزك عنه ، والباطلة لا تخفى عليك ، وإنما تظن أنها تخفى على سواك . قد أشرنا إلى أن الظاهر من تمنى الموت هو تمنى الشهادة في سبيل اللّه وقول بعضهم ان المراد بالموت الحرب لأنها سببه - وعد بعضهم تمنى الشهادة المأثور عن كثير من الصحابة مشكلا ، لأنه يستلزم انتصار الكفار على المشركين . ولا إشكال إلا في مخ من اخترع هذه العبارة ، فان الذي يتمنى الشهادة في سبيل اللّه لا يلقى بنفسه إلى التهلكة ولا يقصر في الدفاع والصدام حتى يقال إنه مكن الأعداء منه ومهد لهم سبيل الظفر بالمؤمنين ، وإنما يكون أقوى جهادا وأشد جلادا وأجدر بأن ينصر قومه ويخذل من يحاربهم . ثم إنه لا يقصد لازم الموت والشهادة من نقص عدد المسلمين أو ضعفهم . على أن هذا اللازم انما يتبع استشهاد الكثير أو الأكثر منهم ومن يتمن الشهادة فإنما يتمناها لنفسه دون العدد الكثير من قومه . وقال الأستاذ الامام : إن تمني الشهادة الذي وقع ليس تمنيا مطلقا وإنما هو تمنى من يقاتل لنصرة الحق أن تذهب نفسه دونه ، فإذا هو وصل إلى ما ينبغي من نصرة الحق واعزازه بانهزام أهل الباطل وخذلانهم فيها ونعمت ، وإلا فضل الموت في سبيل اعزاز الحق ورآه خيرا من البقاء مع اذلاله وغلبة الباطل عليه . وقال إن الخطاب لمن سبق لهم تمنى الموت بعد أن فاتهم حضور وقعة بدر أو الشهادة فيها لبعض من